محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

251

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال آخرون : إنّ الخليفة هو آدم - عليه السلام - وهذا قول السدّي رواه عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عبّاس وعن مرّة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا : الخليفة المذكور هاهنا هو آدم خليفة اللّه - عزّ وجلّ - ، والمعنى إنّي جاعل في الأرض من يخلفني في الحكم بين خلقه . قال ابن جرير : ومن قام مقامه من ذرّيّته فهو خليفة أيضا داخل في اللفظ ويكون المعنى إنّي سأجعل في الأرض من أولّيه أحكامي ، كما قال : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ثمّ قالت الملائكة : ربّنا وما ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا ، قالوا : « أتجعل فيها » الآية . وروى مجاهد وغيره عن ابن عبّاس أنّه قال : لقد أخرج اللّه آدم من الجنّة قبل أن يسكنها إيّاه ؛ فإنّه قال للملائكة : إنّي جاعل في الأرض خليفة . فإن قال قائل ما وجه قولهم : « أتجعل فيها من يفسد فيها » فمن أين علموا ذلك ؟ قال السدّي : إنّما علموا ذلك لأنّ اللّه أخبرهم به ، وهو قول محمّد بن إسحاق ورواية معمّر عن قتادة ، وهو على هذا استفهام بمعنى الإيجاب ، كقول الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا . أي أنتم كذلك ؛ والمعنى أنّك ستفعل هذا ونحن لا نفعل فعلهم ، بل نسبّح ونقدّس لك ؛ ويجوز أن تكون لفظة الاستفهام « 1 » خرجت مخرج التعجّب من معصية العصاة وإكبارهم . وقال آخرون : إنّما قالوا ذلك قياسا ، أي كما فعل بنو الجانّ ، وهذا قول جماعة من أهل التأويل قالوا : ( 108 آ ) وقد كان الجنّ من سكّان الأرض ألفي عام . وقيل : إنّما صدر منهم هذا القول على جهة الاستخبار . قال الحسين بن الفضل : وعلى هذا فيه إضمار تقديره أتجعل فيها من يفسد فيها أم تجعل فيها من لا يفسد ؟ فهو استرشاد منهم واستعلام لوجه الحكمة لا على وجه الإنكار . وقيل : يقدّر الكلام أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ولا يستخلفنا فيها ونحن نسبّح بحمدك ؛ وكان هذا القول ذنبا منهم ؛ وكذلك على مذهب من قال : إنّهم إنّما قالوا ذلك

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .